محمد جمال الدين القاسمي
208
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
في أخذه وتترخصوا فيه . من قولك : أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره . ويقال للبائع : أغمض . أي لا تستقص كأنك لا تبصر . كذا في الكشاف . قال الرازيّ : الإغماض في اللغة غض البصر وإطباق جفن على جفن . والمراد هاهنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلا يرى ذلك . ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا . فقوله : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يعني لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء ، لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض . فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم ؟ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم وإما يأمركم به لمنفعتكم حَمِيدٌ يجازي المحسن أفضل الجزاء . وفي الأمر بأن يعلموا ذلك ، مع ظهور علمهم به ، توبيخ على إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى . ولما رغّب تعالى في إنفاق الجيد حذّر من وسوسة الشيطان في ذلك فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الإنفاق وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور . والفاحش ، عند العرب ، البخيل . قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدّد قال الحراليّ : الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع . وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء . لمناسبة ذكر الفقر . وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة . ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله . وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ بالإنفاق لا سيما من الجيد مَغْفِرَةً مِنْهُ للذنوب وَفَضْلًا خلفا وثوابا في الآخرة وَاللَّهُ واسِعٌ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ بصدقاتكم . فلا يضيع أجركم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 269 ] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 ) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ قال كثيرون : الحكمة إتقان العلم والعمل . وبعبارة